سلسلة قلم وعلم
الملا محمود الحسون
العالم الواعظ، وراعي منهج الإصلاح الديني في مدينة تلعفر،
الشيخ الداعية الملا محمود الحسون الحجاجي العبدلي العنزي.
ولد الملا محمود الحسون في محلة السراي في قضاء تلعفر سنة
1890م وكانت هذه المحلة معروفة برموزها الاجتماعية والسياسية والدينية، دخل الكتاب
كغيره من أبناء جيله، وقرأ على يدي الملا أمين زين العابدين قرباش جزء عمَّ وشيئاً
من الفقه، إلاّ أنه كان أكبر قليلاً من أقرانه الذين درسوا معه من أبناء محلته ومنهم:
الفريق سعيد حمو، والسيد خليل سيد حسين، والشيخ محمد عمر قرباش، ومحمد سعيد رضا أفندي
آل سيد حسين، وآخرين. فحفظ في هذه الفترة آيات من القرآن الكريم، ثم بدأ بقراءة كتب
الفقه ومتون الحديث وشروحه، واعتمد على نفسه في تكوين ثقافته الإسلامية، وكان يزور
بعض العلماء ويستمع إلى أحاديثهم عن العلم والحياة وعن الإسلام وآفاقه، ومن هؤلاء الشيخ
نجم العبار والشيخ عبدالله النعمة في مدينة الموصل، وكانت الأفكار القومية والشيوعية
منتشرة يومئذ في أنحاء العراق، إذ كان الجو الفكري قائماً على صراع هادئ بين الشيوعيين
والقوميين والإسلاميين، فاتخذ الملا محمود الإصلاح الديني المعاصر منهجاً له
مستوحياً ذلك من منهج السلف الذي اطلع عليه عن طريق المطالعة في كتب التراث الإسلامي،
ومجالسة شيوخ السلفية الإصلاحيين، وأول ما وصلته هذه الكتب عن طريف الحاج سليم حمو
الإبراهيم النعيمي، والحاج سليم من سكنة محلة باب المسجد في الموصل، وكان من عائلة
ثرية يقال لهم بيت الحمّاوي، يمتلك أهله آلاف الرؤوس من الأغنام، ولهم أملاك في
تلعفر وسنجار، ووالده حمو الإبراهيم كان من أعضاء المجلس البلدي في الموصل، وكان الحاج
سليم يتردد كثيراً إلى بيوت عشيرة ألبو دوله في محلة السراي وخاصة بيت الحاج حمو قللي الدوله، وكان عند قدومه إلى المحلة يوعظ الناس
ويجلب معه الكتب الدينية المعتمدة عند دعاة السلف، وكان الملا محمود يلتقي به
ويسمع منه ويستعير منه الكتب، فبدأ باقتناء الكتب الإسلامية بشكل عام والكتب
المعتمدة عند هؤلاء الدعاة بشكل خاص، وكان من أسرة ميسورة الحال، فكون مكتبة يشار
لها بالبنان، حتى صار راعي المنهج الإصلاحي الديني في مدينة تلعفر، يختلف عليه
طلاب العلم لأخذ الدروس والسؤال عن المسائل الشرعية. ومن تلاميذه: الملا حمزة نزي،
والملا عبد كنه، والملا محمود قدو رشيد، والملا طه الجلبي، والأستاذ عبد الرزاق
حمن، والأستاذ محمد حسن آل هورج، والقاضي حسن محمود، وآخرين. وكان الملا محمود
يدعو إلى الإصلاح الديني في باب العقائد، وينادي: بعدم صحة استقبال المسلم المعاصر
أسم الصوفية بالتشنج، وكذا أن لا يستقبل المسلم المعاصر أسم السلفية بالتشنج،
وإنما يجب أن يكون ذا بصيرة نافذة يدرك بها جوانب الضرورة في كل دعوة، وأن يكون ذا
إدراك شامل يضع به كل شيء على حدوده، وذلك يتطلب الأخذ بنهج النبي صلى الله عليه
وسلم وصحابته، والتابعين وتابعيهم باعتباره يمثل نهج الإسلام، والتمسك بأخذ الأحكام
من كتاب الله، ومما صح من حديث رسول الله، والابتعاد عن كل المدخلات الغريبة عن روح
الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف. فهذا المنهج ما هو إلاّ امتداد لمنهاج
النبوّة، ثم الصحابة، فالتابعون، فتابعوهم، ثم مدرسة أهل الحديث والأثر الذين برزوا
في القرن الثالث الهجري في مواجهة المعتزلة. فهذه الحركة قد أعادة مدرسة الحديث
حياً وحركت علم دليل الأقوال الفقهية بعدما اندثر وأرجعت الأمة إلى الصلة القوية
بالكتاب والسنة وأعادت الحيوية إلى دراسة النصوص الاصطلاحية الدينية في باب
العقائد. وهي تمثل في إحدى جوانبها إحدى التيارات الإسلامية العقائدية
في مقابلة الفرق الإسلامية الأخرى، وشعارهم (منهجنا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة).
فهم يؤمنون بوحدانية الله وبأن الله هو رب هذا الكون وخالقه. وأن لله أسماء وصفات أثبتها
لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه؛ فيثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة
من الأسماء والصفات. ويوجبون الإيمان بها كلها، وإمرارها على ظاهرها، معرضين فيها عن
التأويل، مجتنبين عن التشبيه، معتقدين أن الله لا يشبه شيء من صفاته بصفات خلقه، كما
لا تشبه ذاته ذوات الخلق، كما في قوله تعالى:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾[الشورى:11]. فعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالإيمان
والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله كما يعتقدون،
لأن الله وحده هو المستحق للعبادة، فلا تصرف العبادة إلا لله. ويوجبون على العباد أن
يتخذوا الله محبوباً مألوهاً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر
والطاعة والطلب والتوكل، ونحو هذا من العبادات. وأن حقيقة التوحيد أن ترى الأمور كلها
من الله رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فلا ترى النفع والضرر إلا منه. وأن
من صرف شيئاً من العبادة لغير الله، متخذاً من الخلق أنداداً ووسائطاً وشفعاء بينه
وبين الله، فقد أشرك. ويحب أتباع دعوى الإصلاح الديني صحابة رسول الله وأهل بيته وأزواجه
أجمعين ويؤمنون بفضائلهم ومناقبهم التي ثبتت لهم في القرآن والسنة. وكان المرحوم
الملا محمود حسون هادئ الطباع مؤدب كريم النفس كثير العلم وله استنتاجات علمية
منطقية، بأسلوب مرن وجذاب، وكان يقول: قولوا هذا قول الله ولا تقولوا قول ملا
محمود. وكان يستشهد كثيراً بأقوال الملا خضر الجلبي، والملا خضر صديقه ومن الدعاة
لمنهج الاصلاح وهو أرمني الأصل أسلم وتزوج من كريمة السيد قدو ملا خليل أفندي
الجلبي والجميع كانوا يسكنون في محلة السراي، إلا أن الملا خضر الجلبي وأهل زوجته
انتقلوا فيما بعد إلى محلة الجلبي. وقد اعتقل الملا محمود وعشرين آخرين من أهالي
تلعفر سنة 1941من قبل السلطات الحكومية في زمن رشيد عالي الكيلاني بتهم كيدية وأودعوا
افي إحدى المعتقلات في مدينة الموصل، ومن الذين اعتقلوا معه: الملا خضر الجلبي،
والملا بكر رشيد، ويونس شَخْرَجِّي، وكان معهم في المعتقل الحاج سليم الحماوي سابق
الذكر، ويقال إن السلطات آنذاك لم تقم بإيذائهم، بل على العكس فقد كانت تصلهم
مناسف الأكل يومياً من بيت الحماوي. وقد أفرج عنهم بعد فترة وجيزة. ولم يكن الملا محمود
في دعواه تقليدياً كلاسيكياً، وإنما كان عصرياً منطقياً متميزاً، يميل الى المجددين والاصلاحيين، وبقي ينادي بالوسطية والإصلاح والاعتصام
بكتاب الله وسنة نبيه، وكان دائم الترديد بأن الصوفية رجال غير معصومين وأن
السلفية رجال غير معصومين والمعصوم هو القرآن والسنة الثابتة. وكان يدعو طلابه إلى
قراءة كتب التوحيد لأنها تعصم العقل البشري من الخطأ في باب العقائد.
توفي رحمة الله عليه سنة 1982.

تعليقات
إرسال تعليق