الشيخ احمد عبدالله رئيس عشيرة البو دوله


 الشيخ أحمد عبد الله رئيس عشيرة ألبو دوله

هو أحمد بن عبدالله بن محمد آل عبدالله الدوله الحمداني التلعفري. والذي يعتبر مهندس عشيرة ألبو دوله خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ومؤسسها ومن أشهر رجالاتها[1]. وقد عرف بحصافة عقله وثبات رأيه وكان وجيهاً في قومه رفيع المنزلة بين أعيان المنطقة ووطنياً غيوراً على بلده، وهو أحد قادة انتفاضة الموصل ضد السلطات العثمانية عام (1829م)، فثوار الموصل الذين ثاروا ضد الحكومة المحلية في المدينة واغتالوا الوالي عبدالرحمن باشا الجليلي عام (1828م) لجملة من الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومنها سوء الأوضاع المعاشية التي كانت تعاني منه الأهالي في أواخر حكم الولاة الجليليين[2]، قد تم نفيهم إلى مدينة تلعفر من قبل الوالي الجديد محمد أمين باشا الجليلي الذي نصبته السلطات العثمانية خلفاً للوالي الذي اغتيل فنزل الثوار ضيوفاً على أحمد عبدالله رئيس عشيرة ألبو دوله والذي قام بدوره بالأتصال برؤساء عشائر مدينة تلعفر وضواحيها، وبعد اجتماعهم مع الثوار المنفيين وهم من العمريين ومن آل المفتي وغيرهم وعلى رأسهم قاسم أفندي العمري، اتفقوا على تشكيل قوة مسلحة والزحف نحو الموصل للإطاحة بالوالي الجديد، فشكلوا قوة قوامها (1500) فارس، منهم (1000) فارس من سكان تلعفر و(400) فارس من عرب ألبو حمد، وبعد تنظيم القوة وإكمال تجهيزها وإعدادها توجهت نحو مدينة الموصل بقيادة أحمد عبدالله الدوله وذلك في نهاية عام (1829م)[3]، ولمّا وصلت القوة إلى أبواب مدينة الموصل انقسمت اورطات (أي: الكتائب) الجيش المحلي على نفسها فأنضم قسم إلى القوة القادمة من تلعفر بينما القسم الآخر بقي مع الوالي محمد أمين باشا الجليلي، فدار قتال عنيف بين الجانبين في شوارع الموصل استمر نحو (21) يوماً، ولم تستطع قوات الوالي المتحصنة في المدينة من الصمود أكثر، فدخلها الثوار معلنين انتصارهم وتمكن الوالي من الهرب إلى بغداد، وأختار الثوار قاسم العمري والياً على الموصل[4]. وبعد استقرار الأوضاع في الموصل عاد أحمد عبدالله ومَن معه إلى مناطقهم بعد أن فوَّضَهُ الوالي الجديد قاسم العمري على خراج تلعفر وإدارتها المدنية، إلاّ أن ولاية قاسم العمري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] مقابلة شخصية مع الشيخ عبدالرحمن حمو قللي الدوله.

[2] عماد عبد السلام، الموصل في العهد العثماني، ص183.

[3] عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين 6/341.

[4] عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين 6/342، وعماد عبد السلام، الموصل في العهد العثماني، ص186-187.

لم تدم طويلاً حتى قتل في بغداد، وتولى محمد اينجه بيرقدار ولاية الموصل ومارس فيها سياسة حازمة وشديدة اتسمت بالفتك والقتل والتدمير، وفرض التجنيد الإلزامي، وضاعف الضرائب المفروضة على الناس، وكرر حملات التنكيل بأعداء الامبراطورية العثمانية الحقيقيين منهم والافتراضيين أمثال الشيخ أحمد عبد الله رئيس عشيرة ألبو دوله وغيره. وكانت علاقة أحمد عبدالله الدوله بالوالي العثماني بيرقدار يشوبها الكدر، وذلك لاشتراك الأول في أغلب انتفاضات ولاية الموصل التي قامت ضد سلطات الولاة المتعسفين، وامتناعه عن دفع الضرائب وتذمره من فرض بيرقدار الحكم القاسي على الأهالي، وكذلك فرضه التجنيد الإلزامي على ولاية الموصل دون باقي الولايات العراقية التي لم يطبق فيها هذا النظام حتى عام 1870م، فولاية الموصل تعد أول ولاية عراقية طبق فيها نظام التجنيد الإجباري للجيش، وهو ما إعتمده الوالي العثماني محمد انجه بيرقدار ودون مراعاة للسن حتى أن هذا الأمر نجم عنه نشوء ما يشبه الإنتفاضة، فلجأ الوالي بيرقدار كعادته الى استخدام القوة المفرطة ضدهم فقصف المدينة ونفى بعض وجوهها إلى ولاية البصرة[1]. وفيما يخص الشيخ أحمد عبدالله لم تقصر معاناته مع الوالي العثماني على ما ذكرناه آنفاً، بل كان الوالي بيرقدار المعروف بقساوته وطبيعته الأستحواذية قد استولى على املاكه، وأغلب الأراضي الزراعية التي كانت تملكه هو وأقرابه وأهل منطقته في جزيرة تلعفر وتمتد هذه الأراضي إلى ناحية الچَبّان بـ(الجيم المثلثة) جنوباً، وإلى ناحية المحلبية شرقاً، والتي تعتبر مصدر معيشهم ومراعي حلالهم من الأغنام ونحوها وفيها قراهم. واستولى بيرقدار أيضاً على أجزاء من مساكن أهله وأجداده والتي كانت تسـمى بـ(قلعة عَلي الدوله) والتي تقع على ربوة في الجانب الشرقي من المدينة مقابلة لربوة قلعة تلعفر، ويفصل بينهما وادي أثري يكاد يقسم المدينة إلى شطرين ويجري فيه نهر صغير كان قد تحدث عنه المؤرخون القدماء ولم يبق منه إلاّ عين ماء تلعفر (صوباشى) وهي من الأحياء العريقة التي أسست في القرن السادس عشر من قبل جدهم عَلي الدوله بعد نزوحه من منطقة زاب ألبو حمدان في أرياف محافظة كركوك، وسميت بـ(قلعة عَلي الدوله) لأن علي الدوله هو من أحفاد أمراء الدولة الحمدانية وقد بنى داره على طراز أبنية الإمارة الحمدانية البائدة، فكانت البناية تتكون من عدة دور وخان ومضيف وأروقة، وتوجد على أركانها أبراج مراقبه وفتحات ومزاغل للرمي، وثقوب لصب المياه، وعلى سورها شرفات كانت تطل على وادي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] سليمان الصائغ، تاريخ الموصل 1/313-314، و د. ذنون الطائي، الاتجاهات الإصلاحية في الموصل في أواخر العهد العثماني حتى تأسيس الحكم الوطني، ص55. وعروبه جميل محمود عثمان، الحالة الاجتماعية في الموصل (1834-1918) أطروحة دكتوراه (غير منشورة) مقدمة إلى كلية الآداب جامعة الموصل، سنة2006، ص56-57.

عين ماء تلعفر، وترتفع عن سطح الأرض أكثر من عشرين متراً. وكان لعلي الدوله ثلاثة أولاد، وهم: ملا جمعة، وعباس، وزيدان، وكان عباس وزيدان وذريتهما يعيشون في منطقة زاب ألبو حمدان، وأما ملا جمعة فكان يعيش مع والده في تلعفر، ولعلي أيضاً أقرباء منتشرين في الموصل وكركوك ودهوك وغيرها من المدن العراقية، فكانوا يزورونه باستمرار، وذات مرة حينما زاروه أقربائه من آل حسن الدوله وهم رؤساء قبيلة الدوستكية الكردية، فرأوا فخامة داره وسعتها، فقالوا: «سانكار علي دولت بو». ويعني باللغة الكردية: أن عَلي أصبح دوله وله قلعة. وبقيت تسمية قلعة عَلي الدوله عند أقربائه وعند البعض من أهالي تلعفر، والبعض الآخر كانوا يسمونها بـ (خان علي)[1] على غرار خان ضاري في قضاء أبي غريب. وقلعة عَلي الدوله لا تزال آثارها شاخصة في منطقة تسمى (قاووش) في محلة السراي في تلعفر. وبعد أن استولى الوالي العثماني محمد انجه بيرقدار على مساحة كبيرة من الأرض التي اقتطعها من بيوت الشيخ أحمد عبدالله الدوله وأقربائه وعليها بعض الأبنية الضخمة، وأضاف إليها بيرقادر أبنية أخرى وأتخذها مركزاً لتدريب الجنود المسوقين جبراً لأداء الخدمة العسكرية، وجعل فيها زنزانة للسجن تسمى (القاووش) ولذلك كانت تسمى المنطقة بـأسم (القاووش) عند البعض فيما بعد. وخصص منها أيضاً أبنية اتخذت من قبل موظفي السلطات العثمانية في تلعفر آنذاك كدوائر لها لسعة أبنيتها وكثرتها، ولذلك سميت بـ(السراي)، والسراي تسمية عثمانية تطلق على القصور ودور الحكومة الفخمة، وقد اخذت المحلة تسميتها منها وسميت بـ(محلة السراي) بعدما كانت تسمى (محلة ألبو دوله). وبعد أن رأى أحمد عبدالله إجراءات الوالي العثماني التعسفية بدأ بالتحشيد ضده، فأتفق مع رؤساء عشائر تلعفر وضواحيها ورؤساء عشائر اليزيدية في سنجار وبدؤوا بالتعرض على دوريات عساكر الوالي التي تمر من المنطقة، إلاّ أن هذا الأمر لم يدم طويلاً، فقد جهز بيرقدار حمله ضده هو وأعوانه وألقي القبض عليهم وبوشاية ودلالة أحد الأشخاص من أهالي المنطقة والذي كان يعرف مخابئهم والطرق التي يسلكونها وحكم على رؤساء تلعفر وفرسانها بالإعدام، ومنهم: الشيخ أحمد عبدالله رئيس عشيرة ألبو دوله، وأبن عمه الشيخ إبراهيم عبوش والشيخ مصطفى محمد سعيد أفندي الجلبي (مفتي المدينة)، وعثمان النظرلي وآخرين. فأعدمهم بيرقدار والذي اعتبر أهالي تلعفر متمردين ضد السلطة العثمانية، وذلك بوضعهم في الجدار وهم أحياء والبناء على أجسادهم ويذكر انه عشية تنفيذ حكم أحمد عبدالله والذي كان مودعاً في زنزانة بقلعة تلعفر اتفق مع اليوزباشي العثماني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 [1] د. قحطان الحمداني، قبيلة بني حمدان في العراق والدول العربية المجاورة، ص245-247. 

المسؤول عن السجن والسجناء ليذهب إلى داره في الجهة المقابلة لقلعة تلعفر لإيصال وصيته إلى أهله، وسُمِحَ له بذلك بعد أن أقنع اليوزباشي وأعطى له عهد الله بالعودة وقد عاد فعلاً قبل بزوغ الفجر بعد أن أوصل وصيته وسلم الخاتم الذي كان بيده إلى أهله وهو عبارة عن ختم منقوش عليه اسمه، وقد تم إعدامه هو وجماعته بعد ساعات من عودته وكان ذلك في عام 1841 في أكثر المصادر، وقيل قبله، وقيل بعده، وأظن أن إعدامهم كان متزامناً مع إعدام اليزيدية في سنجار من قبل بيرقدار وذلك بعد استلامه ولاية الموصل بفترة وجيزة أي بحدود عام 1837. وتذكر بعض المصادر أن إعدامهم كان بأساليب مختلفة، فمنهم مَن دفن حياً، ومنهم مَن وضع على الجدار وبني على جسده بالأحجار الثقيلة، وآخرين قتلوا رمياً بالرصاص، ثم بعد موتهم دحرجت جتثهم من فوق القلعة إلى الوادي الذي يفصل بين قلعة تلعفر وقلعة عَلي الدوله، وقد شاهد الأهالي عشية يوم إعدامهم نوراً ينزل من السماء، فاستنتجوا بأنهم ماتوا شهداء من أجل مدينتهم ووطنهم[1].                    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] د. قحطان الحمداني، قبيلة بني حمدان في العراق والدول العربية المجاورة، ص270، ومحمد يونس السيد عبدالله، تاريخ تلعفر قديماً وحديثاُ، ص190.

 

تعليقات